ريا وسكينة.. أخيرا في عالم الكوميكس

Jun 01, 2020

الأسكندرية في زمن الحرب العالمية الأولى، مدينة مزدحمة، متعددة الأعراق، كوزموبوليتانية بامتياز تجد فيها عشرات الجنسيات والأعراق يعملون ويعيشون ويكسبون لقمة عيشهم في تناغم، أو هكذا يبدو سطح المدينة الناعم الجميل البراق، أما ما تحت السطح فسوف تكشفه وقائع عدة، منها الواقعة التي يتناولها الكتاب المهم "القضية ٤٣ اللبان".

أحدث أعمال الفنانة السكندرية "مي كورايم" هو كتاب ضخم مكون من ٣٠٠ صفحة مملوءة كتابة، ورسوم، ووثائق، وحكايات، وألاعيب، تأخذك من مكان تعرفه، إلا مكان جديد لا تعرفه، حيث تفاجئك في النهاية. "القضية ٤٣ اللبان" رواية مصورة مغزولة ومكتوبة ومرسومة بعناية فائقة، وتدور أحداثها حول واحدة من أشهر قضايا التاريخ المصري الجنائية إن لم تكن أشهرها على الإطلاق.. قضية "ريا وسكينة".

عبر عدة أفلام ومسرحيات، عرفنا الأختين الشريرتين، الشرستين، اللاتي تقمن بتغفيل النسوة وتخديرهن وسرقة حلينهم الذهبة الثقيلة ودفنهن، مع الكثير من الطقوس التي تشمل الزار والرقص والكثير من الدخان والبخور. عرفنا عبد العال، وحسب الله وغيرهما. وسمعنا أيضا عشرات الأساطير والإشاعات حولهما، والكثيرين يدافعون عن راية وسكينة بأنهن كانا يقاومن الاحتلال الإنجليزي، ويستدرجون الجنود الإنجليز ويقتلونهم.. لكن القصة ليست كذلك بالضبط.

الكتاب الضخم -النسخة الأصلية في قطع كبير على ورق ثقيل مصقول وملون، والنسخة الاقتصادية أصغر قليلا على ورق ملون أيضا وإن كان أخف وزنا لكن لا تقل متعة في القراءة أيضا- مكون من جزئين، الجزء الأول هو استكشاف قصة "رايا وسكينة" كما عرفناها وكما قدمتها السينما وقدمها المسرح وطرحها الأدب، مع مونتاج عظيم يربط تلك المروية الشعبية الشائعة، مع قصاصات تحوي معلومات هامة وجديدة حول ممثلين ومخرجين ومبدعين ساهموا في تقديم تلك الأعمال، وأيضا مع ألاعيب بصرية مثل احتواء الكتاب على إطارات فيديو تحوي مشاهد توهم بصريا المشاهد باستعادة صور سينمائية يراها بعين خياله وهو يطالع الكتاب، مما يجعل الجزء الأول عبارة عن ثلاثة طبقات تنتقل بينهم "كورايم" بعناية فائقة وبيد مونتير محترف، لتنقل انتباهك بين القصة المعروفة التي صورتها عبر ريشتها في شكل الكوميكس التقليدي، وبين التوثيق السينمائي، وبين استعادة وتشغيل فيديوهات شهيرة معروفة في ذهن المطالع للكتاب.

هذا يمثل الثلث الأول تقريبا من الكتاب، والثلثين الباقيين يقدمان القصة الحقيقية لرايا وسكينة من خلال وثائق ومحاضر قسم اللبان بمدينة الإسكندرية من ضمن أوراق وسجلات أخرى حصلت عليها "مي" من خلال بحث مكثف لعدة سنوات لتقوم بتكوين خط زمني دقيق لنشأة الأختين في الصعيد، وتاريخ أهلهما، ثم انتقالهما لشمال مصر ولإقليم الدلتا، قبل أن يستقر بهما الحال في الإسكندرية. وتفصل "كورايم" بين الأختين، وتقدم قصة كل واحدة منهما على حدة تقريبا، وهو الأمر الذي يعطي العمل بعدا إنسانيا مهما، فدائما ما اعتدنا على التعامل مع "رايا وسكينة" ككيان واحد شرير مندمج ذو تاريخ واحد ومصير واحد، لكن مي تتعامل مع كل منهما وتحاول فهم دوافع كل من الأختين بشكل إنساني عميق جدا، أنفقت فيه أكثر من مئتين من الصفحات بصبر وأناة، وربطت كل ذلك بالسياق التاريخي، والوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وأدمجت عشرات التفاصيل التي تساعدنا على فهم ما حدث بالضبط: انتشار الدعارة القانونية، سرقة معسكرات الإنجليز، بيع اللحوم والدواجن المسروقة من الكامبات للفقراء، انتشار الفقر في تلك الحقبة غير المستقرة من تاريخ العالم، كفاح سعد زغلول ورفاقه من أجل استقلال مصر عن المستعمر البريطاني، الوضع الاجتماعي في الإسكندرية، والنظرة السائدة وقتها للمرأة.. هذا كله بجانب تدوين كامل للكيفية التي كان يعمل بها البوليس وقتها من أجل القيام بالتحريات حول الجرائم التي شغلت الإسكندرية ومصر كلها، مع اختفاء عدد كبير من النسوة بشكل متكرر، وكيف يقوم الضباط والمخبرين وأعوانهم من العمل والتخفي والتنكر واستجلاب المعلومات واختراق شبكات وأوكار المجرمين.. الخ.

لن أحرق أي أحداث حول الحقيقة الكاملة، وحول القصة الحقيقية للأختين رايا وسكينة، ومصيرهما التراجيدي المرعب، لكن ما أود التأكيد عليه هو أن الكتاب -الصادر عن منصة كتبنا مؤخرا- يعتبر عملا فريدا وشديد الأهمية، أدبيا وتاريخيا وفنيا، ويستخدم الوسيط الفني "الكوميكس" بشكل لم نعتاده، حيث اعتدنا على المغامرات والطرائف على صفحات مجلات وكتب الكوميكس، أما تقديم التاريخ المصري بهذا الشكل الدقيق، والعميق، المبني على الدراسة والبحث، المدمجين مع هذا الجهد الفني الجبار في الرسم والمونتاج وتجهيزات الكتاب الفنية.. فهو عمل يستحق الإشادة العميقة، وهو كتاب يستحق الاقتناء بلا شك لكل صاحب فضول وشغف وحب بالتاريخ وبالفن

آخر تعديل: Jun 21, 2020

مواضيع متعلقة

التعليقات

  • Admin

    16 Jun 2020

    فين صورة الكتاب؟

إضافة تعليق