كان الوقت فجرا حين غادرت البغلة مرساها في ميناء فازاز , في المعتاد لا تستغرق في رحلتها في البحر إلى الصخرة ذهابا و إيابا اليوم بطوله , بحيث تعود البغلة إلي مرساها في تماريس قبل غروب الشمس , فالمسافة أصلاً ليست بعيدة حيث تستغرق من طائر الإيمو أقل من ساعة ذهابا و إياباً , إلا أن الصخور الغارقة والدوامات القاتلة لا تعيق رحلته أصلا , فضلاً علي أنه لا يتأثر بجدار الضباب الذي يغلف كل شيء حول فازاز , فالرؤية علي بعد عشرة أقدام من مغادرة البغلة ميناء تماريس داخل البحر الضيق منعدمة أصلا, ويقع عبء نجاة البغلة بطاقمها علي الربان إيتو سليل أسافو(أول من شق الضباب) الواقف فوق السلوقية ممسكاً بدفة القيادة وقد وقف أمامه رقيب الملاحين حاملاً طبلتيه الصغيرتين يميناً ويساراً متناغمة ضربات المجذفين يميناً ويسار البغلة مع ضربات الرقيب علي طبلتيه و قد وقف منتبهاً لتعليمات إيتو الربان الممسك بالدفة , ليس للبغلة من شراع يدفعها مثل نظيرتها البانوش إلا أن الشراع لا يجدي نفعاً داخل الممر المائي فالضباب الجاثم فوق البحر في الممر الضيق ثقيل لدرجة لا تقدر عليه أي هبة هواء قوية و أصلاً البانوش لا تقدر علي فرد شراعها الكبير إلا في البحر المفتوح وراء الضباب , فتًدفع البغلة أو البانوش من فازاز إلي جزيرة الصخرة عكس التيار بفضل قوة المجاذيف وتعود محمولةً علي تيار الماء الداخل إلي البحر الصغير بين فازاز والصخرة , الممر المائي ضيق خادع ملئ بالصخور الغارقة والدوامات القاتلة وتيار الماء فيه سريع , فلا تقدر أغلب السفن والمراكب علي العبور أصلاً , إلا ان البغلة تتمتع ببدن طويل وغاطس ضحل وعرض لا يتعدى ٣.٥ أمتار ، و لا يوجد بها إلا مقصورة واحدة تحت سلوقية الربان وتخصص لنقل المبعدين عن فازاز من اللصوص والقتلة والغاصبين الذي أحيانا ما تقتصر جريرتهم علي ولادتهم كأبناء ثانين أو كنغول لبعض اللوردات من أبناء الرماد , كان الجو العام للبحارة والمجذفين سعيداً فالبغلة لم تكن محملة في وسط بدنها بين صفي المجذفين بالمؤن المعتادة من براميل الماء العذب و لحوم الماشية والجديان الجبلية والخيول المقدد والمملح والفواكه المجففة من المشمش والتين الجبلي وأجوله التفاح لخان بازل والبصل وباقي المؤن المعتادة كالرحلات المعتادة والتي ترسل مع ميلاد القمر الجديد , وإنما اقتصرت الحمولة علي رجل واحد قوي البنيان غزا الصلع رأسه و بدأ المشيب يغطي جانبي وجهه المربع وقد جلس مستكيناً وقد أراح يديه الكبيرتين علي ركبتيه المنطويتين تحته و هو ما يعني لهم قضاء وقت أطول في خان بازل وسط نساءه وخمر التفاح القوي خاصته ، و هو الأمر الذي لا يتاح لهم في تماريس فلا يتمتع مجذفي البغلة بنفس المميزات التي يتمتع بها مجذفي البانوش ، لمجذفي البانوش بناءٌ متسع مخصص لهم بجانب ميناء تماريس يحظى برعاية ملك تماريس من طعامٍ و رعاية فبرغم أن رحلات البانوش لممالك الفاولن...