مراجعات كتب | كتاب "ثلاثون عامًا على القهوة

Dec 18, 2019

عرض- رامي أبو راية:

ثلاثون عاما على القهوة هو الكتاب الأول للمهندس محمد أبو طيرة الصادر عن منصة كتبنا للنشر الشخصي وهو يصنف تحت نوعية أدب المقال الساخر رغم عمق محتواه من موضوعات وأسئلة مطروحة، ورغم أنها التجربة الأولي للكاتب، إلا أنك تستطيع بسهولة أن تكتشف بعد تصفحك لعدة صفحات من الكتاب أن هذه التجربة قد سبقتها إرهاصات كثيرة وأنك أمام كاتب واعٍ ومثقف واسع الاطلاع نضج الكاتب الذي بداخله بما يكفي لذلك كان لزوما عليه أن ينتج عمل أدبي بهذا المستوى، فإذا ما بدأت في تصفح الكتاب فسترى أن المؤلف يستهل كتابه بمقدمة يطرح فيها سؤالا لماذا أكتب؟ ثم يصف لك هذا الكتاب الذي بين يديك، ثم يُجْلسك معه على القهوة لتتأمل وتفكر وتحلل وتسأل وتجيب؛ فتكتشف أشياء وأمور ومعلومات جديدة كنت تجهلها من قبل أو كنت تسلم بمعرفتها تسليما مطلقا أو مستلسلما لها بحكم العادة.

 

فيبدأ حديثه معك عن اللَّي الطبي عندما تجلس على القهوة منفردا أو مع بعض الصحبة تنفث دخان النرجيلة الذي تسحبه من ليَّها الذي أصبح طبيَّا وما هو بطبي، مع الأخذ في الاعتبارأنه  يمكنك الإحتفاظ به ليتشاكل عليك الأمر ويتشابه مع شطافة المرحاض فتكتشف أنك شخص يتم استغلاله من صبيان القهوة، فتنظر لمن حولك وتطرح أسئلة متعددة ومتنوعة معظمها منطقية وبعضها يصعب الإجابة عنها.

 

 ثم يتبع حديثه بسؤال جدلي ماذا حدث للمصريين؟ هل حراك اجتماعي وهروب جماعي إلى أعلى، وكفاح من أجل الحفاظ على المكانة الاجتماعية واستماتة من أجل الثبات عليها بكل الصور واختلاف الأشكال بداية من المسكن مرورا بالمصيف والسيارات والأسماء.

 

لينتقل الحديث عن الديمقراطية هل حقا موجودة؟ وإذا كانت موجودة فهل هي النظام الأمثل؟

 

وفي محاولتك للإجابة يخطف انتباهك سيل الإعلانات المنهمر من شاشة التلفاز أو الملطعة على أعمدة الإنارة وأسطح البنايات والأسوار المحيطة بالعاصمة، فيطرح عليك سؤالا جديدا، ألا وهو ما الغرض من هذا الطوفان الذي يصرف عليه ملايين الجنيهات فتأتيك الإجابة المدهشة وهي قلب المعادلة، فبعد أن كانت الصناعة تحكمها الحاجة ثم الطلب فالإنتاج أصبح الأمر معكوسا بعد ظهور الآلة فحدثت الزيادة في الإنتاج فكان لابد من زيادة الطلب بإقناع المستهلك بالحاجة الدائمة إليه.

 

وهنا تتسع لديك دائرة الضوء المعرفي بطبائع الأمور وأغراضها فبعدما كنت تعيش في كهف مظلم اتسعت تلك الدائرة نتاج تساؤلك وبحثك، لتكتشف أن هناك ما هو قابع في الظلمة، وحينما تنير هذا الجزء تظل الدائرة في الاتساع حتى يتوقف الفرد عن التساؤل.

 

ثم ينتقل إلى أسئلة أكثر تعقيدا، لما الأبعاد ثلاثة؟ ولماذا يصعب علينا تفهم البعد الرابع؟ ولما نظام الأبعاد الثلاثة عالمي؟ هل لوجود نقطة مركزية وهي الصفر التي قد تعود إلى الذاتية فنضع أنفسنا في مركز العالم ونقيس الأشياء بالنسبة لنا؟ 

 

هل لذلك الإنسان أصله معزة يتبع القطيع؟ لأن المؤخرات تدل على الطريق.

 

فيطرح سؤالا جديدا من أنا ومن نحن؟ هل هويتنا متعددة أم واحدة؟ وهل شخصيتنا تقوم على عدة أعمدة أم عماد واحد إذا ما أنهدم إنهارت الشخصية؟ فتعجب ممن يسعون إلى توحيد الشخصية إما مصرية أو إسلامية أو عربية أو غربية أو يأتي من يقول لا فالتعلوا العرقية، ويتنازعون فيما بينهم متناسين أن رسوخ البنيان في كثرة أعمدته.

 

متوهمين أنهم صاروا أحرارا يفعلون ما بدا لهم رغم أن العبودية لم تنتهِ حقا فمازالت تحكمنا، ولكن بثوبها الجديد وهو الدوام الكامل الذي تفرضة الرأسمالية حتى الشيوعية حينما حاولت هدم هذا النظام النخاسي صنعت بدلا منهم نخاسة أكثر قسوة.

 

ثم يصدمك بمعلومة جديدة وهي أنه مهما  قيل لك عن النمو الاقتصادي فلازالت الدورة ناقصة طالما أن الفرد لا يشعر بأي تحسن معيشي يخرجه من إطار العبودية وتوحش الرأسمالية.

 

لذلك دعنا من كل هذا ولنسأل ماذا حدث قبل 10500 عام قبل الميلاد، فالعلم يقول إن الأرض مرت بعصور جليدية ثم ارتفعت حرارتها فذاب الثلج ونتج عنه ارتفاع منسوب البحر حوالي 120 مترا، وهناك نظرية تاريخية تفترض أنه كانت هناك حضارات قديمة انتهت قبل 12 ألف عام فجأة من جراء تغير المناخ، أما القصص الديني للأديان السماوية تذكر أن هناك طوفان عظيم حدث غطى الأرض في الماضي السحيق، ولكن ظل تحديد الزمن بدقة مستعصيا، فهل يمكننا الجمع بين ثلاثتهم؟

 

كل هذه الأسئلة وأكثر تطرح حينما تكتشفت أن أكثر الأشياء ليست كما تبدو عليها، وأن أغلب ما قيل لم يكن دقيقا، وأن أغلب الناس يفضلون الحقيقة الجاهزة المعلبة، وأننا ما زلنا نعبد أصناما دون أن نعرف.

 

هذا هو تأثير وهم الكهف الذي حاول الإنسان الخروج منه ليعود ويخبر الناس، لكن الناس يصعب عليهم التصديق، فيعيش وحيدًا لأنه لم يستطع أن يعيش في عالم يعلم أنه غير حقيقي، فتكون الوحدة هي قدر كل من يجرؤ على التأمل والتساؤل والبحث ويجد نفسه واقفا على باب الكهف لا يقوى على الوحدة ولا على أن يعيش في الوهم، ولأنه لا يضمن قدرته على مواصلة الحياة خارج الكهف بعيدًا عن مؤخرات القطيع يقرر أن يكتب لعل هناك من يطلع فيعي ويفهم فيشقى أو يسعد، أو لعله يحتاج أن ينظر لما كتب في يوم من الأيام فيذكر ما كان عليه ذات يوم وهو جالس (ثلاثون عاما على القهوة).

Last modified: Jan 02, 2020

Related Posts

Comments

  • Admin

    14 Jan 2020

    من وصفه شدني ممكن اعرف مكان توزيعه

Add Review