عن" في بحر عينيك" والرومانسية واللون الوردي

Sep 01, 2020

بقلم الكاتب د. محسن الجندي

يعرف القريبون منى أننى مختلف فى أشياء عن بقية الناس. ولعل ذلك يرجع إلى ثقافتى الغربية منذ الصغر. نشأت على قراءة الأدب الإنجليزى فكنت ألتهم كتبه إلتهاما. أحببت الأفلام ألأمريكية ونشأت عليها ولكنى 

شاهدت أيضا الأّفلام المصرية الأبيض والأسود وأحببتها. قرأت كثيرا فى ّألأدب العربى القديم من قصة ونثر وشعر ولكن طبيعتى تأخذنى الأن بعيدا عن الأدب العربى الحديث فلم أجد فيه ما يجذبنى. أنا لست مثقفا كفاية فى الأدب الحديث لأننى عادة لا أقرأه، ولكن هذا لا يمنع أننى قرّأت فى شبابى وبشغف لإحسان عبد القدوس، ويوسف السياعى، ومحمد فريد أبو حديد،ّ وإنيس منصور، ومصطفى محمود، وطه حسين، وعباس العقاد، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، وجمال الغيطانىّ، وللأسف لم أقرأ لنجيب محفوظ ّلأننى لم أحب الأجواء الشعبية التى دارت حولها قصصه. وفى تلك ألأونة دخلت فى سياحة مع الله فقرأت بنهم فى الفقه الإسلامى من قرأن وحديث وسيرة وتصوف.

بعد ذلك جاءت حقبات زمنية لم يعد فيها أدب عربى يقرأ فامتننعت عن القراءة العربية منذ السبعينيات وغصت فيما أحب وهو قراءة ألأدب الإنجليزى. ثم جاء الفيسبوك وأشارت على إحدى الصديقات أن ألتحق بما يسمى نادى القصة القصيرة بعد أن توسمت الخير فى كتاباتى، وفعلا دخلت بقصد الّإستكشاف مع نية الخروج بسرعة، فليس عندى ميل لقراءة قصص قصيرة بالعربية ظنا منى أن هذا سيلهينى عن مقالاتى وكتبى التى أنشرها فى الخارج بالإنجليزيةّ. ومكثت فترة أقرأ ما يكتبون وكنت أظن أنه لا يوجد هناك ما يسمى بالأدب النسائى كما يدعون، ولكننى فوجئت بأن هناك سيدات على درجة كبيرة من العلم عندما يكتبن فلا أحد يستطيع أن يجاريهن. مشاعرهن الرقيقة لا يستطيع أحد أن يدانيهن فيها، خلجاتهن ومكنون قلوبهن تخرج فى كلمات أنثوية رقيقة بالغة المعانى تهز وجدان الرجل. كانت النية الخروج من نادى القصة القصيرة بعد حولة إستكشافية سريعة ولكن الذى حدث أننى إنغرست رغما عنى فى هذا المجتمع الجميل والذى كان يكبر كل يوم بانضمام أخريات وأخرين. مجتمع قريب من عمرى يتحدث عن ماضى جميل عشناه ولكن إنقضى عهده والأن نتغنى بأيامه والحنين يأخذنا فى كتاباتنا إليه.

وأردت أن أشارك وأثرى المكان فكتبت عدة روايات فصيرة لاقت إستحسانا من البعض. أما السيدات اللائى كتبن أدبا رومانسيا جميلا وأثرن إعجابى فقد إستحسنت كتاباتهن بكلمات تقديركتبتها إليهن وأصبحنا أصدقاء فى الفيسبوك، وأذكر من هؤلاء د. نجلاء الخولى، المهندسة مها حشيش، د. عبير الحلوجى، د. حامدة حسين السيد، والكاتبة الكبيرة والعزيزة على هالة الخطيب، وأخريات كثيرات لا أذكر أسمائهن الأن.

ومن أجل ضغط العمل فى كتابة رواياتى يالإنجليزية ونشرها فى الخارج و ما يستلزم ذلك من جهد فى التمويل النشر والتسويق...ألخ، قررت الخروج من نادى القصة االقصيرة وفعلا إعتذرت وخرجت. وتدور الأيام وأعرف أن النابهة المهندسة المعمارية مها حشيش قد نشرت رواية بعنوان "فى بحر عينيك". قلت لها أريد أن أقرؤها، قالت أنت الذى شجعتنى على الكتابة، أنتظر تعليقك على أحر من الجمر."

وقرأت الكتاب "فى بحر عينيك" من الغلاف للغلاف. كانت الكلمات كالأمواج تعلو بى وتهبط، تأخذنى إلى عوالم رومانسية بالغة الإحساس ثم تهبط بى إلى عالم الواقع. أحيانا كنت أشعر أن الكاتبة كانت تكلمنى أنا فأنا شديد الرومانسية أنسج عوالم فى خيالى أحلق فيها بعيدا لأقابل من احب، وأخلق بللورات سحرية تتلألأ بين النجوم أنعم فيها بأوقات سعيدة مع الجمال الذى تحبه عيناى. ثم تتراءى لى صور وتحدونى أفكار أضعها كوقائع فى رواياتى.

لم أتقابل مع الكاتبة فى حياتى وما أذكره منها هو وجهها الضاحك فى الفيسبوك وعينان طفوليتان صافيتان مبتسمتان مشرقتان. وبعد قراءة كتابها عرفت ما وراء هاتين العينين الجميلتين.

قسمت كتابها إلى شعر وخواطر وقصص وضعت فيهم أفكارها ومعتقداتها بل وتجربتها فى الحياة. هى مهندسة إنشائية تتعامل مع الأرقام الجافة ولكنها فى الواقع شديدة الرومانسية. الحب عندها مقدس فهو سر الحياة والوجود. الحب عندها هو أن تسمو روحان إلى سماء بعيدة خاصة بهما وحدهما لتتألفا وتنسحب كل منهما إلى حب الأخرى كما تنسحب الموجة إلى الشاطىء وتعود إلى حضن البحر وتذوب فيه مرة ثانية. ترى أن الحب رسالة، الحب حياة، الحب عطاء، الحب عبادة، الحب هو الصديق والأمان والسكن.

الرجل الذى تحبه هو البيت والشمس والظل، هو صحبة وأهل ودار. الحب عندها من أكبر النعم وأعظمه حب الله. تقول فى الحب أنه عبء، فهى بطبيعتها تحب كل شىء حولها – إنسان – جماد - حيوان. – أى شىء وكل شىء. وهى تستمتع جدا بعلاقاتها وعندما تقترب من أى شخص حتى ولو على وسائل الإتصال الإجتماعى غالبا ما يحدثها قلبها عبر نبضة تشعرها إن كان هذا الشخص مريحا أم لا، وتكون النبضة صادقة فى معظم الأحيان، وتستطرد وتقول: " ولذلك يتعجب البعض من ردودى عليهم وكأننى أعرفهم، وبالرغم من أننى لم أرهم ولكن بالنسبة لى أنا أعرفهم فقد حدثنى قلبى بذلك."

وهى صادقة فى ذلك فعندما شعرت بعدم وجودى فى الفيسبوك لفترة طويلة إتصلت بى تسأل عن حالى ولما عرفت ما ألم بى من مصاب أسمعتنى كلمات السلوى ودعت لى بزوال الغمة. ثم سألت عنى مرة أخرى بعد فترة لتطمئن أكثر بعد زوال المصاب.

هى رومانسية حالمة تفكر جيدا بعقلها ولكن قلبها هو الذى يحركها. الرومانسية لها تعريفات كثيرة. فهى تعني الحب والتودد، والشعور بعاطفة مبهجة وسعادة كبيرة عند التواجد مع الحبيب، بحيث يمكن التغاضي عن جيمع العيوب والخلافات معه. وتعرف الرومانسية بأنها تمجيد العاطفة، وتسليم الكلام للقلب باعتباره منبع الإلهام، والبحث عن الجمال. وتدعو الرومانسية للاحتكام للذات ووحي العاطفة لا للإحتكام للعقل، وتدعو للتحرر من العالم المادي الواقعي والتسامي إلى العوالم المثالية، والتغنى بجمال الطبيعة والبحث عن العوامل المشتركة بينها وبين الإنسان من مظاهر فرح وحزن.

ولكن أجمل تعريف للرومانسية هو ما قالته فى كتابها: "الرومانسية هى الرقة والسمو والصفاء فى المشاعر، هى الملمس الحريرى للحب، هى تحويل الحب إلى قطعة من الدانتيل اليدوى المطرز باللؤلؤ. هى توصيل المشاعر للطرف الأخر ليس بالبوح فقط ولكن بطقوس تجعل المحبين فى سماء صافية وحدهما."

وتنساب رومانسيتها كالماء الرقراق عندما تقول: "وصلنا إلى جزيرة الحب...كل ما فيها جميل...اللون الوردى يزين كل ما فيها...أصوات طيور عذبة فى كل مكان...الورود ترسم قلوب متعانقة...رائحتها الجميلة تعطر الأركان...وكلما لامسنا شيئا فى الجزيرة تنطلق منه قلوب وورود وعصافير رقيقة وكأننا فى الجنة."

والرومانسية عند الكاتبة مهمة فى العلاقة بين الرجل والمرأة، فالرومانسية هي التوابل الوحيدة للحياة التي بدونها تبدو الحياة فجأة بلا معنى. الرومانسية هى امدادات الطاقة للعلاقات. عندما تغيب الرومانسية تبدو العلاقات وكأنها قد وصلت إلى نهايتها.

ونخرج من كتاباتها بمفهوم السعادة فتقول: "الإنسان السعيد هو الذى يستطيع رؤية الجمال وإسستخراجه من وسط القبح." وأوافقها على ذلك فلقد تأصل القبح بيننا وزاد، وهى بالرغم من ذلك تستطيع أن تعيش مع هذا القبح، فقلبها عامر بالحب والخير لكل الناس وهذا يعينهاعلى خلق أجواء من السعادة تأخذها إلى عوالم تحلق فيها إلى معان جميلة تجعل الحياة تستمر.

وفى قصتها باقة ورد ملأتها بالألوان، أحب االرجل حبيبته فى الخفاء ولم يعلن عن نفسه. وشغلها بباقات من الورود يرسلها إليها كل صباح مع كلمات الحب. فكانت تذهب إلى الشاطىء تبحث عنه بعينيها فى إستحياء. كل رداء لبسته بلون مختلف لتقابل به حبيبها كان يرمز لمشاعر تهز قلبها، أما هو، فكان يرسل إليها الورود بلون فساتينها، ولما رأها تقف مع رجل أخر غريب بعث إليها بورود صفراء تعبيرا عن غيرته. ولما إلتقت به بعد طول حيرة رأته غير وسيما فجزعت منه ولكنه قال لها إنه يهديها أعز ما يملك قلبه المحب فقلبه أغلى ما يملك وليس غناه، وجلست معه وتحدثا ورأته أوسم رجال ألأرض.

وهى تعشق اللون الأبيض فى الزهور والملابس لأنه لون النقاء.

وأحيانا تتكلم عن حياة أخرين ولكن يبدو أنها تسرد وقائع من حياتها هى، وفى النهاية كعادتها المتفائلة تخرج سالمة من كل عناء قد يعكر صفو حياتها فتقول: "واستعرضت شريط حياتى فى ثوان، نعم لقد نسيت أنى إمرأة، كل ما أتذكره أنى أغلقت على قلبى الباب ودفنت مشاعرى وأحاسيسى وأخذتنى دوامة الحياة حتى رأيته، وكأنه أخذنى إلى عالم مسحور ملىء بالورود والموسيقى والحنان."

إن الحب عند الكاتبة مها حشيش إحساس عظيم وقوى كالعشق، والاعتزاز بالحبيب، والرغبة القويّة بالعناية به ورعايته باستمرار، وهو شعور ينمو ويزداد عندها بمرور الوقت، فيروق فيه الحبيب لحبيبته ويُصبح مصدراً للإلهام والشغف وسبباً من أسباب السعادة والراحة. هو إحساس عظيم يُسيطر على كيانها، وينقلها من عالمٍ مُظلم إلى عالمٍ مليء بالأضواء.

قرأت الكتاب فى بحر عينيك وأعجبت بما فيه. فى هذا الكتاب الرجل هو سر الحياة وحكمة الوجود. المرأة هى الشذى الذى يعطر به قلبه. الحب هو وقود الحياة ومن غيره تتوقف وتموت. الرومانسية هى نبع رقراق يحمل المحبين إلى حياة الود والألفة والسعادة.

عرفت من الكتاب من هى مها حشيش، كيف تفكر وكيف تعيش. أنت سيدة جميلة الروح حلوة المعشر. أنت بلسم يوضع على القلوب المريضة فتشفى، أنت إبتسامة تراها الوجوه الحزينة فتبتسم وتثق بالله وتظن به خيرا. بمشاعرك تلك، وقلبك الرقيق هذا، أنت والزهرة توأمان. أنت ريحانة النساء وزهرة الربيع وروح الحياة. أنت ومثلك من النساء المنبع الفياض للحب فى هذه الحياة.

Last modified: Sep 02, 2020

Related Posts

Comments

Add Review