ما فوق مبدأ اللذة

Oct 05, 2021

استعراض رواية
فوق مبدأ اللذة
حينما تستيقظ من حلم جميل على كابوس مظلم قاتم يجثم على صدرك، ويكتم أنفاسك، ولا تجد أحدا من حولك في ذلك الميدان الواسع الذي كان ذات يوم يعج بجيلا كامل من كل حدب وصوب، لتراه وقد صار خاويا على عروشه لا ترى فيه إلا أطياف الرفاق الذين رحلوا بلا عودة، وأشباحا من المارة الذين لا يلتفتون لصوت صرخاتك المكتومة بين الضلوع، ودموعك الحبيسة في المقل، لتقين وقتها أنك صرت بمفردك تقف وحيدا بعد أن تحطمت مركب أحلامك وآمالك العريضة أنت وجيلك بأكمله فوق صخرة الواقع الأليم، ولا سبيل للعودة لذلك الحلم البديع، ولا مقدرة على النهوض من هذا الكاوبس اللعين، ستدرك حينها أن هناك "ما فوق مبدأ اللذة".
رواية "ما فوق مبدأ اللذة" هي ملحمة إنسانية اجتماعية سياسية تغوص في أعماق النفس البشرية، تحكي لنا عن جيل بأكمله، بمختلف طبقاته، وفئاته، وطوائفه، وتعدد انتماءاته الدينية، والمذهبية، والمنهجية، وتوجهاته الفكرية، ودوافعه النفسية، وطموحاته وآماله، ومخاوفه وآلامه، تسرد لنا أحداثا عظام سطرت بالدماء في سجلات التاريخ الإنساني، وحفظت في وجدان جيل دحر معظمه، ولم يبقى منه على قيد الحياة إلا من يستطيع التنفس في أي مناخ، وينموا في كل الأجواء، فنفعيته البحتة هي المحرك الوحيد له في تلك الحياة، لذلك هم أشخاص يصلحون لكل العصور، أما أصحاب القيم، والمبادئ، والرؤي، والأفكار، فمصيرهم محتوم بأن لهم وقت معلوم سواء أكانوا دجمائين يتحزبون، وينتمون إلى خلفيات معينة، أو كانوا لا منتمين إلا لصوت ضمائرهم ومنطق عقلي سليم قويم يمكنهم من النظر والتحليل للأشياء والأمور، فيحكم الواحد منهم على الشيء والأمر بعد تروي وفحص، ليخطو خطواته على بصيرة وبينه من أمره، ويذهب بقدمة إلا سجنه الأبدي بمحض اختياره ليقضى عمره في عزلة لا تنتهي حتى ولو كان يعيش بين ملايين البشر.
هذا هو مضمون رواية فوق مبدأ اللذة التي تسطر، وتسرد أحلام وآلام جيل ظن في يوم أنه يقدر على التغيير لما حوله من واقع أليم، جيل آمن بالثورة وآمن ذات يوم أنه يستطيع، ولكنه لم يستطيع.
إلا أنك عزيزي القارئ أمام عمل دسم مكتمل الجوانب سواء من ناحية السرد، أو الإطار الذي يحيط الحكاية، أو الروئ المتعددة، والمختلفة التي تجعلك ترى من خلالها شخوص الرواية، وتطلع على أفكارهم ومناهجهم ودوافعهم النفسية والاجتماعية، فتتفق مع بعضهم، وتتعاطف مع بعضهم، وتبغض بعضهم، وترى نفسك في أحدهم.
ثلاثة إخوة الكبير والأوسط والصغير، لكل واحد منهم قصته، ولكل واحد منهم لذته، التي يتمنى أن يصل إليها لكي يستمتع بدنيته، ولكل واحده منهم خصمه الذي يقف في مواجهته ويناصبه الأعداء ويتصارع معه.
تندلع أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير، ليجدوا أنفسهم متورطين فيها كل واحد منهم من خلال موقعه ورؤيته ودوافعه.
ثلاثة إخوة من النبلاء، ثلاثة أبطال ملحميين، تحكمهم المبادئ والقيم والنبل والشرف، رغم اختلاف المواقع والجبهات، ولكنهم خرجوا من نفس البيت وشربوا من نفس الماعون، لذا يقاتل كل واحد منهم في موقعه، وفي الجبهة التي فرضت عليه، أو الفريق الذي قرر أن يكون معه، إلا أن المعايير التي ينطلقون منها جعلت منهم أبطال ملحميين، في زمن يندفع الناس فيه من خلال فلسفة نفعية ودجماتية دقيقه تجعلهم يقدمون مصالحهم الشخصية، ومصالح من ينتمون إليهم، على مصلحة جل الإنسانية من حولهم، رافعين شعار أنا ومن بعدي الطوفان.
 تسير أحداث الرواية بسرد متسلسل تسلسلا زمانيا منطقيا ترتب فيه الأحداث ببداية ووسط ونهاية، وتربط بينها الحبكات لنصل إلى حلول مقدمات الصراع القائم سواء كان الصراع بين الشخصية مع نفسها أو مع خصم آخر لها، أو مع الوقت والظروف المحيطة المحدقة، وهذا ما ستراه مع معظم شخصيات الرواية الرئيسية منها، والثانوية، وأبطال الرواية الثلاثة.
فؤاد الأخ الأكبر ضابط المباحث المتضجر من طبيعة عمله المضني الذي يحرمه من الراحة الدائمة، ويحرمه من رؤية زوجته وأولاده وأهله معظم الوقت مما يسبب على كثير من الضغط والاضطرابات مع زوجته، يحلم دائما بحلم واحد يجد فيه لذته ويحصل فيه على متعته المنشودة، ولكنه مرتضي بمهنته التي تعطيه قدرا من الاحترام والهيبة، فهو رئيس مباحث صارم ومنضبط، ولكنه صاحب قلب كبير يجعله يتعاطف مع كل إنسان مظلوم أو محتاج، مما يعرضه دائما للتصادم مع سيد بيه وكيل النيابة العالي المتعالي الذي يبحث عن اللقطة والشهرة والسمعة على الدوام، تندلع أحداث ثورة يناير ليجد نفسه مضطر للدافع عن القسم، وينجى من الموت بأعجوبة تفوق الخيال، فأحيانا الأعمال الصالحة تنقذ صاحبها من شر محدق به، ولكنه يتهم في قضية قتل المتظاهرين، ليجد نفسه وقع في يد خصمه الدائم سيد بيه محكوم مسبقا بإدانته، وفي ذات الوقت زوجته تطلب الانفصال عنه رغم الحب الكبير الذي بينهم، على مدار عامين منذ اندلاع الثورة حتى صدور الحكم عليه بسنة سجن مع إيقاف التنفيذ كانتا كفيلتان بأن يحسم قرارة بأن يترك وظيفته، ووظيفه والده، ويذهب حيث يجد متعته ويشعر بلذته، لكن ما فوق مبدأ اللذة قد يكون هو أعتى خصومنا الذي يقف في اللحظات الحاسمة في وجوهنا ليحول بيننا وبين ما نريد، فيصعب علينا قرار الاختيار.
حسام الأخ الأوسط ضابط أمن الدولة الفنان مرهف المشاعر والأحاسيس، كان يأمل بأن يلتحق بكلية الهندسة ليصبح مهندس معماري، فهو يملك عقل رياضيا منطقيا بجانب وجدانه الشاعري الفنان، ولكن نصف درجة في المئة حالت بينه وبين تحقيق حلمه، ليجد نفسه طالب في كلية الشرطة ثم ضابط متميز تتنافس عليه كثير من إدارات وأجهزة وزارة الداخلية، ليفوز بها في الختام جهاز مباحث أمن الدولة، كان يمارس عمله بفن وهندسة في محاولة منه للاستمتاع بما يعمل، لذا كان خصمه دائما وعدوة اللدود الضابط حفظي زميلة في الإدارة والمكتب الذي يأتي على النقيض منهم تماما، فهو ضابط عنيف شرس لا يتورط عن فعل أي شيء من أجل أن يحصل على ما يريد، وهذا ما كان يرفضه حسام ويحاول أن يتصدى له، حتى اندلعت ثورة الخامس العشرين وتم إلقاء القبض على نادية طالبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وحينما بدأ حفظي في الفتك بها أنقذها حسام من براسنه، ليجد نفسه قد وقع في حبها فهي القصيدة واللوحة والمعزوفة الموسيقية التي كان يبحث عنها ليعبر عن ما بداخل وجدانه من فن وإبداع، فاشتد الصراع بينهم وبين حفظي الذي يحاول أن يحافظ على وجوده داخل الجهاز وداخل النظام دون أن يستطيع أحد إدانته رغم كل ما فعل، يتعهد لنادية أن يأتي لها بحقها وحق كل من تسبب حفظي في أذيتهم حتى ولو كان الثمن هو التضحية بوظيفته، ولكن حينما يتصارع النبلاء مع عديمي النبل فالمنافسة تكون غير شريفة وغير متكافئة، وحين يحال بيننا وبين لذتنا إلى الأبد ندرك أن ما فوق مبدأ اللذة لا يمكن مقاومته وعلينا أن نستسلم له أو نقرر الهروب منه.
يحيي الأخ الأصغر، وبطل الرواية الأول، فهو حلقة الوصل بين معظم شخصيات وأبطال الرواية، طالب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية القارئ النهم، والمشارك في الأنشطة الخدمية الخيرية، عدوه وخصمة الأول ليس الأشخاص والكيانات سواء كانت مؤسسات، أو جماعات، ولكن عدوه هو المواقف والأفعال الصادرة عن الدوافع الدجماتية، والبرجماتية النفعية، وعدم المنطقية والموضوعية والحرية والمساوة والعدالة الاجتماعية، فهو ضد الطائفية، والطبقية، والفئوية، والايدولوجية التي تقسم الناس وتحزبهم، وتجعلهم في صراع دائم من أجل ولاء تام لأمور لم يصنعوها، بل فرضت عليهم، أو انتموا إليها بسبب دوافع شعورية محضة، لذا كان من أول المتحمسين لدعوة الخامس والعشرين من يناير رغم نشأته في بيئة شرطية لأب وأخين يعملون ضباط، ولكن متعته ولذته في أن يستنشق هواء الحرية، وأن تذوب كل تلك الفاروق جعله يلقي بنفسه في ذلك الأتون المستعر، متحدي كل القيود، متخطي كل العوائق والموانع والحدود، غير مبالي بكل العواقب، رغم كونه شخص لا فوضي ينزل على رأي العقل والمنطق السليم السديد، وهذا ما جعله يستبشر في الأيام الأولى من ثورة يناير وبالأخص في أيامها الأوائل حينما عاش أجواء المدينة الفاضلة، فالكل واحد أي ما كان دينه أو مذهبه أو توجه أو طبقته، ولكن سرعان ما بدأ يستشعر الخطر حينما بدأت كل مجموعة تفصح عن نوايها الحقيقة من المشاركة في ثورة هذا الجيل المأزوم، ولكن صحبة الفتى حسين عصعيصو الذي تعرف عليه في الميدان وتعلق الفتى به تعلق التلميذ بالأستاذ جعله يتمسك بالأمل بسطوع شمس التغيير حتى ولو كان المكسب الوحيد من ثورة يناير هو تأثر المئات مثل عصعيصو برياحها وبحثهم عن الوعي من أجل التغيير والحصول الكرامة الإنسانية، إلا أن ما فوق مبدأ الذي قد يصدمنا بوجوده وسطوته وبأن اللذة لا تدوم، فبعد مقتل عصعيصو في موقعة ماسبيرو، كان على يحيي أن يقرر هل يستسلم لما فوق مبدأ للذة أم يرحل كما رحل جميع الأخوة والرفاق رهبا أو طمعا، ليجد اللا منتمي نفسه يقف واحيدا بمفردة في ذلك الميدان الواسع لا يرى إلا أطياف من أحاطوا به يوم ما، ويتساءل أين ذهبت زملاء دراسته نادية سليلة البشوات النسوية الجميلة الأبية، وحازم الإخواني الدجمائي البرجماتي المستتر، ورامي النفعي المتبرئ من ديانته الناكر لطبقته، وبيتر الطائفي العنصري المداهن، ولارا بنت الأثرياء كبيرة القلب فارغة الدماغ، وتيمران ابنة الخالة ورفيقة مشوار الدراسة، وخالد الصامت الصامد الثائر المندفع نقي الفؤاد، وعصيعصو أمل الغد المرتقب المنتظر، وأين ذهب حسام وفؤاد، وأين ذهب هو؟ أم أنه ما زال هنا؟ إنها مأساة كل شخص لا منتمي لأي شيء غير الضمير الإنساني.
لا أبالغ حين أقول أن "هشام مجدي" مؤلف هذا العمل الروائي قد أجاد لدرجة الاتقان من استخدام أدواته الحرفية في صناعة هذا العمل الروائي البديع، للحد الذي يجعلك تقرأ أربعة مئة وأربعين صفحة دون ملل رغم الألم الذي قد يعتصر قلب بين الحين والآخر وأنت تقلب صفحات الروايات وتتذكر الأحداث التي طوتها الأيام والليالي كما تطوى صفحات الكتب.
لهذا يسعد منصة كتبنا للنشر الشخصي أن تقدم لقرائها الأعزاء ولكل محبين الأدب الروائي الواقعي، ولجيل يناير بأكمله مؤيدا كان، أو معارضا لها، وبكل الفخر هذا العمل الروائي المتميز شكلا وموضوعا، الصادر عنها، مؤكده وليست متمنية أنه سوف يحوز على إعجابكم، أي ما كان موضعكم وانتمائكم فهو عمل عبر عن الجميع من أجل أن يخاطب الجميع، لأنه عمل لا ينتمي إلا لشيء واحد، هو صوت العقل والضمير.

 

Last modified: Oct 05, 2021

Related Posts

Comments

Add Review