عندما تقف أمام معبد الكرنك، أو تحدق في هرم الجيزة الأكبر، ستشعر بشعور متناقض يغزو عقلك. أنت أمام حضارة هي "الأكثر توثيقاً" في العالم؛ ملايين الأمتار المربعة من الجدران المغطاة بالكتابة، آلاف البرديات، وملايين التماثيل. ورغم هذا الضجيج البصري والنصي الهائل، إلا أننا نشعر بـ "صمت" غريب.
ثمة حلقات مفقودة في القصة. ثمة "فراغات" في التاريخ الرسمي لا تملؤها قوائم الملوك ولا فواتير الحبوب.
لماذا يبدو تاريخ مصر "ناقصاً" رغم كثافة النقوش؟
الإجابة تكمن في أننا كنا نقرأ "القشرة الخارجية" فقط. كنا نقرأ ما أراد الملوك أن يسجلوه (انتصاراتهم، طقوسهم الظاهرة)، لكننا لم نقرأ "ما وراء السطر". لم نقرأ العلوم الخفية التي مكنتهم من رفع الأحجار، ولا العقائد العميقة التي جعلتهم يقدسون النجوم. التاريخ المكتوب هو "تاريخ المنتصرين"، لكن الحقيقة مدفونة في "تكنولوجيا البناء" و"فلسفة الرموز".